المقريزي

111

المقفى الكبير

أهلها إلى لقائه ، حتى صغار المكاتب ، وامتلأت الطرقات والبيوت بالناس بحيث بلغ كراء البيت للفرجة من مائة درهم إلى خمسمائة درهم فضّة ما بين ميدان الحصا إلى القلعة والقصر الأبلق بالميدان . وبسطت له شقاق الحرير الملوّنة ، وسار والأمراء مشاة بأجمعهم ، وحمل الأمير قطلوبك الكبير الغاشية ، وحمل الأمير بهادر الحلبي الجتر « 1 » ، إلى أن نزل [ السلطان ] بالقصر الأبلق . وعند نزوله بالقصر قدم مملوك الأمير قراسنقر نائب حلب يخبر بأنّه ركب من حلب ، وركب قبجق من حماة ، إلى لقاء السلطان . فخلع عليه وأعاده ليحضر مخدومه سريعا . واستشار الأمراء في أمر الأفرم نائب الشام ، فأشاروا بأن يؤمّن . فبعث إليه الجاولي ، فلم يحضر حتى حلف له السلطان ، وبعث الحاج أرقطاي الجمدار باليمين فحضر معه ، وخرج السلطان إلى لقائه وترجّل له وخلع عليه وأقرّه في نيابة الشام على حاله . فلمّا كان يوم الجمعة ثامن عشرينه خطب باسم الملك الناصر بدمشق ، وفيه حضر الأمراء قراسنقر نائب حلب ، وقبجق نائب حماة ، وأسندمر نائب طرابلس ، وتمر الساقي نائب حمص . فركب السلطان والتقاهم ، وترجّل لقراسنقر وعانقه ، وأثنى على الأمراء . ثمّ حضر الأمير كراي من القدس ، والأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد ، فلم يبق أحد من الأمراء إلّا وقدّم للسلطان التقادم النفيسة على قدر حاله . فأنفق السلطان في سائر الأمراء والعساكر . وقدّم الأمير كراي بطائفة إلى غزّة ، وخرج بمن بقي في يوم الثلاثاء تاسع رمضان يريد مصر ، وسلك على طريق القدس . فزار « 2 » ، وقدم غزّة فأقام بها حتى تكامل الجيش . وكان المظفّر بيبرس قد انحلّ أمره وفرّ من القلعة في سادس عشر رمضان . فأصبح الحرّاس يوم الأربعاء سابع عشره وضجّوا في [ 99 أ ] قلعة الجبل باسم الناصر . وخطب باسمه على منابر مصر والقاهرة وقلعة الجبل في يوم الجمعة تاسع عشره . وبعث إليه سلّار نائب السلطنة بالنمجاة « 3 » وأعلمه بهروب بيبرس . وخرج من القاهرة بيبرس الدوادار وبهادر آص يريدان الملك الناصر وقدما عليه غزّة . وقدم أيضا الأمير ساطي السلاح‌دار في جماعة من الأمراء . وقدم برلغي وآقوش نائب الكرك بمن معهما . وقدم الأمير مهنّا أمير العرب في عربان كثيرة . وقدمت التركمان ، حتى صار في عساكر يضيق بها الفضاء . فرحل عن غزّة ، فإذا بقاصد سلّار ومعه النمجاة . فسرّ سرورا عظيما بفتح مصر من غير قتال . وسار إلى أن نزل بركة الحاجّ ظاهر القاهرة يوم الأربعاء أوّل شوّال يوم العيد . فخرج سلّار ومن معه إلى لقائه ، ولم يكد يتأخّر بالقاهرة كبير أحد حتى خرج إليه فرحا بقدومه ومحبّة فيه . وعزم على الإقامة يومه وأن يقصد إلى القلعة في غده . فجاء النذير بأن آقوش الأفرم نائب الشام وبرلغي قد وافقا البرجيّة على الفتك به . فركب وحوله ثقاته بالسلاح عليهم وفي أيديهم ، يمنعون الأمراء أن يدنوا منه حتى دخل القلعة . فكان يوما مشهودا ، وتفرّق الأمراء في منازلهم وبات جماعة من ثقات السلطان على خيولهم حول القلعة يحرسونها ، وعليهم السلاح ، إلى أن أصبح يوم الخميس ثاني شوّال وجلس على سرير السلطنة . وحضر الخليفة ، وسائر الأمراء ، والقضاة ، والعلماء ، للهناء . فاستفتح [ محمد بن عليّ ] بن

--> ( 1 ) الغاشية : بساط فاخر والجتر مظلّة كبيرة ، وهما من شعارات السلطنة . ( 2 ) أو : فخار . ( 3 ) النمجاة : سيف مقوّس ( دوزي ) . وانظر السلوك 1 / 857 هامش 1 .